الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

63

تفسير روح البيان

مقام الملائكة المقربين ثم يعرج بك إلى المحل الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدنو اليه به إلى أن تصل إلى مقام قاب قوسين أو أدنى مقاما لم يصل اليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل قُلْ لكفار قريش لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على القرآن أَجْراً اى جعلا من جهتكم كما لم يسأله من قبلي من الأنبياء عليهم السلام وهذا من جملة ما امر بالاقتداء بهم فيه إِنْ هُوَ اى ما القرآن إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ اى إلا عظة وتذكير لهم من جهته سبحانه فلا يختص بقوم دون آخرين وعلى هذا جرى الأولياء من أهل الإرشاد إذ لا اجر للتعليم والإرشاد إذ الاجر من الدنيا ولا يجوز طمع الدنيا لأهل الآخرة ولا لأهل اللّه تعالى وانما خدمة الدين مجردة عن الأغراض مطلقا وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أصل القدر السبر والحزر يقال قدر الشيء يقدره بالضم قدرا إذا سبره وحزره ليعلم مقداره ثم استعمل في معرفة الشيء مقداره وأحواله وأوصافه فقيل لمن عرف شيأ هو يقدر قدره ولمن لم يعرفه بصفاته انه لا يقدر قدره ونصب حق قدره على المصدرية وهو في الأصل صفة للمصدر اى قدره الحق وضميره يرجع إلى اللّه تعالى واما ضمير الجمع فإلى اليهود لما روى أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم خرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أشياء وكان رجلا سمينا فاتى رسول اللّه بمكة فقال له عليه السلام أنشدك بالذي انزل التوراة على موسى هل تجد فيها ان اللّه تعالى يبغض الحبر السمين قال نعم قال فأنت الحبر السمين وقد سمنت من مأكلتك التي تطعمك اليهود ولست تصوم اى تمسك فضحك القوم فخجل مالك بن الصيف فقال غضبا ما انزل اللّه على بشر من شئ فلما رجع مالك إلى قومه قالوا له ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك أليس ان اللّه انزل التوراة على موسى فلم قلت ما قلت قال أغضبني محمد فقلت ذلك قالوا له وأنت إذا غضبت تقول على اللّه غير الحق وتترك دينك فاخذوا الرياسة والحبرية منه وجعلوهما إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية والمعنى ما عرفوه تعالى حق معرفته في اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا حقوقه تعالى في ذلك بل أخلوا بها اخلالا فعبر عن المعرفة بالقدر لكونه سببا لها وطريقا إليها إِذْ قالُوا منكرين لبعثة الرسل وإنزال الكتب كافرين بنعمه الجليلة فيهما ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ اى كتاب ولا وحي مبالغة في انكار إنزال القرآن إذ القائلون من أهل الكتاب كما مر آنفا قُلْ لهم على طريق التبكيت والقام الحجر مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى يعنى التوراة حال كون ذلك الكتاب نُوراً بينا بنفسه ومبينا لغيره . بالفارسي [ روشناى دهنده ] وَهُدىً بيانا لِلنَّاسِ وحال كونه تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ اى تضعونه في قراطيس مقطعة وورقات مفرقة بحذف الجار بناء على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم وهي جمع قرطاس بمعنى الصحيفة تُبْدُونَها صفة قراطيس اى تظهرون ما تحبون ابداءه منها وَتُخْفُونَ كَثِيراً مما فيها كنعوت النبي عليه السلام وآية الرجم وسائر ما كتموه من احكام التوراة وَعُلِّمْتُمْ أيها اليهود على لسان محمد ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ وهو ما أخذوه